الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

95

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بترقب عذاب يحل بهم في الدنيا كما حل بالقرون الذين من قبلهم ، وكان معلوما من خلق النبي صلى اللّه عليه وسلم رأفته بالناس ورغبته أن يتم هذا الدين وأن يهتدي جميع المدعوين إليه ، فربما كان النبي يحذر أن ينزل بهم عذاب الاستئصال فيفوت اهتداؤهم . وكان قوله : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ يونس : 11 ] تصريحا بإمكان استبقائهم وإيماء إلى إمهالهم . جاء هذا الكلام بيانا لذلك وإنذارا بأنهم إن أمهلوا فأبقي عليهم في الدنيا فإنهم غير مفلتين من المصير إلى عقاب الآخرة حين يرجعون إلى تصرف اللّه دون حائل . وجاء الكلام على طريقة إبهام الحاصل من الحالين لإيقاع الناس بين الخوف والرجاء وإن كان المخاطب به النبي - صلى اللّه عليه وسلم . والمراد ب بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ هو عذاب الدنيا فإنهم أوعدوا بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، قال تعالى : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ . فالمعنى إن وقع عذاب الدنيا بهم فرأيته أنت أو لم يقع فتوفاك اللّه فمصيرهم إلينا على كل حال . فمضمون أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قسيم لمضمون نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ . والجملتان معا جملتا شرط ، وجواب الشرط قوله : فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ . ولما جعل جواب الشرطين إرجاعهم إلى اللّه المكنّى به عن العقاب الآجل ، تعين أن التقسيم الواقع في الشرط ترديد بين حالتين لهما مناسبة بحالة تحقق الإرجاع إلى عذاب اللّه على كلا التقديرين ، وهما حالة التعجيل لهم بالعذاب في الدنيا وحالة تأخير العذاب إلى الآخرة . وأما إراءة الرسول تعذيبهم وتوفيه بدون إراءته فلا مناسبة لهما بالإرجاع إلى اللّه على كلتيهما إلا باعتبار مقارنة إحداهما لحالة التعجيل ومناسبة الأخرى لحالة التأخير . وإنما كني عن التعجيل بأن يريد اللّه الرسول للإيماء إلى أن حالة تعجيل العذاب لا يريد اللّه منها إلا الانتصاف لرسوله بأن يريه عذاب معانديه ، ولذلك بني على ضد ذلك ضدّ التعجيل فكني بتوفيه عن عدم تعجيل العذاب بل عن تأخيره إذ كانت حكمة التعجيل هي الانتصاف للرسول صلى اللّه عليه وسلم . ولما جعل مضمون جملة : نَتَوَفَّيَنَّكَ قسيما لمضمون جملة : نُرِيَنَّكَ تعين أن إراءته ما أوعدوا به من عذاب الدنيا إنما هو جزاء عن تكذيبهم إياه وأذاهم له انتصارا له حتى يكون أمره جاريا على سنة اللّه في المرسلين ، كما قال نوح : رَبِّ انْصُرْنِي بِما